ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

612

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقد تفاقم فسادهم فلما عرف الخليفة ذلك ضاق ذرعا بالرفيعة ( 1 ) وخرج معها وامتلأ غيظا ودعا بعبد الله بن سليمان ورمى بالرفيعة إليه وقال انظر فيها وتفهم ففعل وشاهد من تربد وجهه ما أزعج ساكن صدره وشرد آلف صبره وقال قد فهمت يا أمير المؤمنين قال فما الدواء قال تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم فإن العقوبة إذا اختلفت كان الهول أشد والهيبة أفشى والزجر أنجع والعامة أخوف فقال المعتضد وكان أعقل من الوزير والله لقد بردت لهيب غضبي بقسوتك ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة ودفعتني إلى الرفق من حيث أشرت بالحرق وما علمت أنك تستخير مثل هذا في دينك وهديك ومروتك ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك لكان من حسن الموازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكف وتبعثني على الحلم وتحبب إلي الصفح وترغبني في فضل الإعفاء على هذه الأشياء ولقد ساءني جهلك بحدود العقاب وبما يقابل به الجرائر وبما يكون كفاء للذنوب ولقد عصيت الله بهذا الرأي ودللت على قسوة القلب وقلة الرحم ويبس الطينة ( 2 ) ورقة الديانة أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند سلطانها وأن الله سائله عنها كيف ساسها ولعله يسألها عنه فإن سألها فلتوكيد الحجة عليه ( 3 ) منها ألا تدري أن أحدا من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلم قد لحقه أو لحق جاره وداهية نالت صاحبا له وكيف تقول لهم كونوا صالحين أتقياء مقبلين على معايشكم غير خائضين في حديثنا ولا سائلين عن أمرنا والعرب تقول في كلامها غلبنا السلطان فلبس فروتنا وأكل خضرتنا وحنق ( 4 ) المملوك على المالك معروف وإنما يحتمل السيد على ضروب تكاليفه ومكاره تصاريفه إذا كان العيش في كنفه رافعا والأمل فيه قويا والصدر عليه باردا والقلب معه ساكنا أتظن أن العمل بالجهل ينفع والعذر به يقنع لا والله ما الرأي ما رأيت وما الصواب ما ذكرت وجه صاحبك ولتكن ذا خيرة ورفق ومعروف وتخبر وصدق حتى تعرف حال هذه الطائفة وتقف على شأن

--> ( 1 ) بعض النسخ [ الرقعة ] وكذا فيما يليه . ( 2 ) بعض النسخ [ بئس الطينة ] . ( 3 ) بعض النسخ [ ولعله يسأله عنها فان سألها فليتوكد الحجة عليه ] . ( 4 ) الحنق بالحاء المهملة وزان الفرس والكتف : شدة الاغتياظ ويصرف من باب علم .